يقوم جهاز كشف ANITA بالتقاط إشارات الراديو من جليد القارة القطبية الجنوبية والتي تتحدى قوانين الفيزياء.

ألبرتو نورييجا     25 يونيو 2025     6 دقيقة.
يقوم جهاز كشف ANITA بالتقاط إشارات الراديو من جليد القارة القطبية الجنوبية والتي تتحدى قوانين الفيزياء.

تمكنت تجربة أجرتها وكالة الفضاء الأميركية ناسا في القارة القطبية الجنوبية من رصد إشارات راديو تخرج من الجليد بزوايا مستحيلة وفقا لقوانين الفيزياء الحالية. تم اكتشاف هذا الاكتشاف بواسطة كاشف ANITA بين عامي 2016 و2018، ونُشر الآن في استعراض للحروف البدنية، يثير أسئلة خطيرة حول ما نعرفه عن الجسيمات الكونية. يبدو أن الإشارات قادمة من باطن الأرض، تمر عبر كيلومترات من الصخور، وهو أمرٌ لا يُفترض وجوده فعليًا. أثار هذا اللغز جدلًا علميًا عالميًا، ودفع إلى تطوير أجهزة جديدة لمزيد من البحث.

علامات تتحدى قوانين الفيزياء

تمكن جهاز كشف معلق في طبقة الستراتوسفير في القارة القطبية الجنوبية من التقاط إشارات مستحيلة: موجات راديو تخرج من داخل الجليد. سجّلت تجربة هوائي أنتاركتيكا النبضي العابر (ANITA)، المصممة لالتقاط نبضات من الجسيمات الكونية التي تصطدم بالغلاف الجوي، إشارات قادمة من زوايا منخفضة تصل إلى 30 درجة تحت الأفق. ووفقًا للنماذج الحالية، فإن أي إشارة في هذا المسار كانت ستعبر آلاف الكيلومترات من صخور الأرض، التي يُفترض أن تمتص أي موجات تمامًا.

تشرح ستيفاني ويسيل، الباحثة في جامعة ولاية بنسلفانيا وعضو فريق ANITA، أن النبضات التي تم اكتشافها "ولم تتصرف مثل الانعكاسات السطحية، بل كما لو كانت قد خرجت مباشرة من داخل الأرض."وتتناقض هذه الشذوذ مع ما نعرفه عن النيوترينوات وغيرها من الجسيمات عالية الطاقة، والتي على الرغم من قدرتها على المرور عبر المادة، فإنها لا تفعل ذلك في ظل هذه الظروف أو بهذه الكثافة.

ولم تكن الأحداث الشاذة معزولة. بين عامي ٢٠١٦ و٢٠١٨، سجّلت ANITA العديد من هذه الإشارات، مما حيّر الفيزيائيين وأثار سيلاً من الفرضيات. لم تتطابق الموجات مع عمليات المحاكاة المعروفة، ولا مع ارتدادات الغلاف الجوي. أدى ذلك إلى استكشاف احتمال أن تكون جسيمات لم تُكتشف بعد، أو حتى تفاعلات مجهولة قد تتطلب إعادة النظر في فيزياء الجسيمات.

بيكسلز Alwaysontheroad 3684372

فرضية متعثرة

واقترح بعض الباحثين نظريات جذرية، مثل وجود عالم مواز حيث يسير الزمن إلى الوراء. مع ذلك، كان المجتمع العلمي حذرًا. فقد حلل مرصد بيير أوجيه في الأرجنتين، وهو أكبر كاشف للأشعة الكونية في العالم، أكثر من 7,6 مليون حدث على مدار 15 عامًا دون العثور على أدلة على وجود جسيمات غريبة تُثبت صحة هذه النظريات.

ودعا بيتر جورهام، الباحث الرئيسي في ANITA، إلى الحذر في مواجهة العناوين المثيرة، وتذكر أن "عدم العثور على تفسير فوري لا يعني أنه يجب علينا الاستعانة بالاستثنائي". ويؤكد أن العلم يجب عليك أولاً استنفاد جميع الأسباب التقليدية الممكنة. وتشمل هذه الأخطاء أخطاء الأجهزة، والظواهر الجوية غير المفهومة، أو حتى أنواع جديدة من تفاعلات النيوترينو مع الجليد.

ورغم هذا يبقى الأمر المزعج: وقد تكررت هذه الظاهرة أكثر من مرة، وفي رحلات مختلفة، وبدرجة كافية من الوضوح لاستبعاد احتمال حدوث أعطال فنية. ويجد المجتمع العلمي نفسه في حالة توتر مثمر بين الشك والافتتان.

IceCube لا يرى ذلك

إن أحد العناصر التي تزيد من تعقيد اللغز هو أن جهاز الكشف الكبير الآخر في القارة القطبية الجنوبية، IceCube، لم يسجل أي شيء مماثل. صُمم جهاز IceCube، الواقع تحت الجليد في محطة أموندسن-سكوت، لاكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة باستخدام مستشعرات بصرية مدفونة عميقًا في الجليد. وحتى الآن، لم تتطابق قياساته مع قياسات ANITA.

يفتح هذا احتمالين: إما أن ANITA قد اكتشفت نوعًا من الظواهر التي لا يستطيع IceCube تسجيلها بسبب تكوينه، أو أن إشارات ANITA تتوافق مع ظواهر عابرة نادرة للغاية أو اتجاهيةإن التناقض بين الأداتين يمنع حاليًا التحقق المستقل، وهو أمر ضروري للتأكيد على أن هذه ليست أخطاء منهجية أو نتاجًا لعملية حسابية.

لقد أدت الحاجة إلى بيانات جديدة إلى تطوير PUEO (الحمولة لرصد الطاقة الفائقة)، خليفة مباشر لجهاز ANITA، طورته ناسا. هذا الكاشف الجديد، الأكثر حساسية ودقة، مُجهز بهوائيات مُحسّنة، وخوارزميات كشف أكثر متانة، وقدرة أكبر على استبعاد التداخل. من المقرر إطلاقه خلال السنوات القادمة، على أمل تسليط الضوء على ما لا يزال لغزًا حتى الآن.

م.بكسيلس بيكساباي 48178

ما هو على المحك: الفيزياء نفسها

ولا يعد هذا الاكتشاف مجرد ندرة تقنية فحسب، بل إنه يثير تساؤلات حول الإطار النظري الذي تستند إليه فيزياء الجسيمات. إذا تم تأكيد بيانات ANITA، فهذا يعني أن هناك جزيئات قادرة على المرور عبر كيلومترات من الصخور دون أن تضعف.أو أن هناك تفاعلات لم نفهمها بعد تتجاوز النموذج القياسي. سيكون ذلك ثورةً تُضاهي اكتشاف النيوترينو أو تأكيد بوزون هيغز.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه الجسيمات الشبحية السفر عبر الكوكب كما لو كان شفافًا، مما قد يُغيّر قدرتنا على رصد الكون. في الواقع، اقترح بعض علماء الفيزياء الفلكية أننا قد نواجه رسل كونية للأحداث المتطرفة في الكون، مثل تصادمات الثقوب السوداء أو النوى المجرية النشطة.

ولكن طالما أن البيانات نادرة ومتناقضة، يتحرك المجتمع العلمي بحذر. لقد انفتحت عتبة المجهول، لكن عبورها يتطلب المزيد من الاختبار، والمزيد من المراقبة، والمزيد من الصبر.

المستحيل تحت الصفر

هناك شيء مزعج للغاية بشأن علامة لا ينبغي أن تكون موجودة. إنه يُواجهنا بحدود ما نظن أننا نعرفه، في بيئة نائية كقارة أنتاركتيكا، وبترددٍ مُراوغٍ لدرجة أنه بالكاد يترك أثرًا. كأن الكون يُخاطبنا همساتٍ لم نفهمها بعد.

لقد فعلت أنيتا ما يطمح إليه كل عالم عظيم: نطرح أسئلة لا نعرف كيفية الإجابة عليها. فهو يذكرنا بأن الفيزياء ليست كاملة، وأن الكون لا يزال يحمل أسرارًا تحت طبقات الجليد والصمت والنظرية.

إذا كانت هذه الإشارات حقيقية، فقد نكون على أعتاب توسع جذري في المعرفة البشرية. ولكن إذا كانت خاطئة، فسيكون لها قيمتها أيضًا: فالعلم يتقدم بفضل نجاحاته بقدر ما يتقدم بفضل حدوده. لأنه في كل مرة يبدو فيها أن الكون يخرق قواعده، إنها تدعونا إلى النظر بشكل أعمق، والتفكير بشكل أفضل، وعدم الاكتفاء بما نعرفه بالفعل.

احسب قيمة تأمينك

التعليقات مغلقة